ابن حجر العسقلاني
35
تلخيص الحبير ( ط العلمية )
وقسم ثان متسمع كالترمذي والحاكم . وثالث معتدل كأحمد والدارقطني وابن عدي . فجزى اللَّه ، الكل عن الإسلام والمسلمين خيراً فهم مأجورون إن شاء اللَّه تعالى . جهود الصحابة والتابعين في مقاومة الوضاعين سئل عبد اللَّه بن المبارك رضي اللَّه عنه عن الأحاديث الموضوعة فقال : تعيش لها الجهابذة ثم تلا قوله تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] . وإليك ما بذله هؤلاء الجهابذة في سبيل حفظ الحديث الشريف أوجزها لك على النحو التالي : أولاً : - التزام الإسناد : لم يكن المسلمون في صدر الإسلام إلى خلافة عثمان يكذب بعضهم بعضاً ، فالثقة تملأ صدورهم ، والإيمان يعمر قلوبهم حتى إذا ما وقعت الفتنة العمياء التي تبناها عبد الله بن سبأ اليهودي ، وتكونت على أثرها الفرق والأحزاب وبدأ الكذب على رسول الله من ذوي الأغراض والأهواء وقف الصحابة والتابعون لها وقفة قوية للحفاظ على الحديث الذي كان محفوظاً في الصدور ، ومكتوباً من بعض الصحابة في السطور وأصبحوا يشددون في طلب الإسناد من الرواة ، والتزموه في الحديث لأن السند للخبر كالنسب للمرء . يقول محمد بن سيرين : " لم يكونوا - رضي الله عنهم - يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا : سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنّة فيؤخذ حديثهم ، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ عنهم " 1 . كان الصدق والإخلاص والأمانة رائد هؤلاء فكان السند عندهم قائماً يرويه صحابي عن آخر إذا لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة ، فكان البراء بن عازب يحدث عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك أبو أيوب الأنصاري عن أبي هريرة ، وقد حدث الصحابة بعضهم عن بعض . ولقد عرفوا الإسناد قبل الإسلام ولعل خير دليل ما كانوا يسندونه من القصص والأشعار في الجاهلية ، وإنما التزموا التثبت من الإسناد بعد وقوع الفتنة ، وهكذا كان ابن عباس لا يأذن للبعض أثناء الحديث أي لا يعطي المحدث أذنه ولا يصغي إليه حتى إذا ما سئل في ذلك أجاب : كنا إذا سمعنا الرجل يقول : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ابتدرناه بأبصارنا ، وأصغينا إليه بآذاننا ؛ فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف 2 .
--> 1 " صحيح مسلم " بشرح النووي 1 / 84 ، سنن الدارمي 1 / 112 . 2 " صحيح مسلم " 1 / 81 .